المشاركات

عن استحضار الأموية ومسارات الهوية الدمشقية

صورة
من يدعو إلى استحضار ظل الدولة الأموية في دمشق، ويستدعي صورة الأمس في زمنٍ لا يشبه الأمس، هو كمن يُثري عطر الياسمين بعبق المسك، فلا الأوّل يأمن بقاءه، ولا الثاني يَحفظ نقاءه. لئن كان العصر الأموي سِفرًا من سيوفٍ وانتصارات، فإن بين طيّاته سطورًا من دماءٍ وحسرات. فذاك الماضي، إذ يُستشهد به اليوم، يصبح موقدًا يشعل نار الفتن، ويوقظ عهد المِحن. وفي الشام، جسدٌ أثكله البلاء، وأحياءٌ فقدت أحياءها، ومستبدٌّ أحالها حُبلى بفِرقٍ وأحقاد، تهتاج بصليل الحديد، ولا تسكن إلا بروح العدل. أيّها الحالم بعودة الأموية، هَب أن الزمان استدار بك إلى دمشق القرون الوسطى، أفتحكم الناس بسيفٍ ووعيد، بعد أن ذاقوا حلاوة الحرية، واستحالت أمامهم ألوان الاستبداد، ماضيًا يثقل الجسد وينهك الروح؟ ولئن كان في النهج الأموي ما يبهج القلب ببهاء المُلك والحضارة الممتدّة، فقد وُلِدَ في زمنٍ يستدعي الاقتتال والسيف، أمّا اليوم، إن نظرنا إلى ما صرنا إليه، فإننا لا نبتغي إلا ما يحفظ وحدتنا واستقرارنا، نحلم بدولةٍ فاضلة، وننظر تشريعًا نكون فيه سواسيةً كأسنان المشط. هل ترى الاستقرار في وصاية الجمع على البعض، وانفرادهم بمقاليد الحكم وإ...

صحافة الرصيف: بين أزمة التمويل والمسار العليل

صورة
خلال قراءتي لإحدى النشرات البريدية لموقع "ر.22"، وجدت أن الناشر أضاف في ختام النص عبارة يدعو فيها القارئ إلى تقديم الدعم المادي للمؤسسة. وعلى الرغم من أنّ هذه دعوةٌ معتادة يواجهها قرّاء مقالات الصحيفة خلال تصفّحهم لموقعها ومنشوراتها البريدية، فقد وردت هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ يبدو أنّ الأحداث في الساحة السياسية الأمريكية قد أثّرت على مصادر تمويل المؤسسة، حيث يعبّر الناشر عن امتعاضه من توقيف ترامب للمساعدات الأمريكية التي كانت تشمل برامج "ر.22" المعنية بالبيئة والأقليات في العالم العربي. وقد أتبع الدعوة بقوله: "نطلب منكم الانضمام إلى برنامج 'ناس رصيف'، لنتمكّن من متابعة عملنا"، مختتمًا النص بعبارة: "كي تبقى بلادنا لنا." وقد جاء القرار الذي أعلنته الولايات المتحدة يوم الجمعة 24 يناير الجاري على لسان وزير خارجيتها، ماركو روبيو، موجهًا خطابه إلى موظفي الإدارة الأمريكية بقوله: "لا يجوز الالتزام بأي تمويل جديد لأي جهة، أو تمديد أي تمويل حالي، وذلك إلى أن تتم مراجعة كل تمويل جديد والموافقة عليه... بما يتماشى مع أجندة الرئيس دونالد ترامب....

العلمانية في سوريا: بين جدل المفهوم وصراع التيارات

صورة
مع التغيّرات السياسية الحاصلة في سوريا وصعود التيار الإسلامي وتوليه زمام قيادة الحكومة المؤقتة، ظهرت بين أوساط التيارات النهضوية أصوات تنادي بتطبيق النظم العلمانية، بوصفها الملاذ الآمن والضامن الأول للتعددية وحقوق الأقليات. وخرجت احتجاجات في ساحة الأمويين، فيما عُرفت لاحقًا بـ"مظاهرة العلمانيين"، التي أثارت استهجان الأكثرية المحافظة وأصبحت مادة للتندر والاستهزاء عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى حملات التخوين واتهام منظميها بالتبعية لأجندات خارجية تدعم مساعي إطلاق مشروع الثورة المضادة. العلمانية مصطلح جدلي في منطقتنا العربية؛ ففي حين ينظر الإسلاميون إلى العلمانية بوصفها محاولة لفصل الدين عن الحياة العامة، مما يؤدي في نظرهم إلى تهميش الشريعة الإسلامية وتفكيك الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، يرى أنصار العلمانية أنها تمثل حلاً حضارياً لضمان التعددية الفكرية والسياسية، وحماية حقوق الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم، بالإضافة إلى الحد من استغلال الدين في السياسة. وقد أثيرت حول هذا المصطلح العديد من الحوارات والمناظرات، من أشهرها مناظرة الغزالي وفرج فود...

المقولة التي أنارت بصيرتي

صورة
صحوت يومًا على منامٍ رأيت فيه عبارة واضحة المعالم، لدرجة أنها بقيت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم دون الحاجة لتدوينها. العبارة كانت: "من ألِف الكُلفة، فقد كَلِف الأُلفة". أول ما أثارني في هذه العبارة هو قالبها الفني الذي يتضمن الجناس التام، أحد أروع بدائع اللغة العربية، والذي تم توظيفه بمهارة لخدمة غاية النص، بعيدًا عن أي ابتذال أو تكلف. في ذلك اليوم أمضيت وقتًا طويلًا أبحث عن أصل هذه العبارة، ظنًا مني أنها قد تكون مقتبسة من الشعر أو الأدب أو نصوص الموروث الديني، خاصة وأنني من عشاق الشعر وبلاغته. بحثت عنها عبر الإنترنت، وامتد بحثي ليشمل المراجع الأدبية والدينية، لكنني لم أجد لها أي مرجعية ولم تكن منسوبة لأحد. غالبًا ما تكون الأحلام انعكاسًا لمشاعرنا وأفكارنا الداخلية. عبارة "من ألِف الكُلفة، فقد كَلِف الأُلفة" تحمل دلالات قد تتصل بما كنت أمر به خلال تلك الفترة. العبارة تشير إلى أن الشخص الذي ا...

فلسفة التفاصيل: البحث عن الحكمة في المألوف

صورة
يُقال إن بداخل كل منا "فيلسوف صغير" يظهر عندما نتأمل الحكمة الكامنة في تفاصيل حياتنا اليومية وما نمارسه بشكل اعتيادي ومألوف. قد تبدو الفلسفة نخبوية وعميقة وبعيدة عن الواقع، إلا أن الإنسان مجبول على فطرة قوامها حب الحكمة والبحث عنها في كل ما يترائى أمامه من أحداث وأفعال مألوفة وروتينية. على سبيل المثال، من يعمل في مجال تصميم الجرافيك - بشتى أنواعه - قد يجد نفسه أمام شاشتين، إحداهما تبالغ بإشباعها اللوني، والأخرى تتسم ألوانها بالهدوء والبهتان. وبين هذه وتلك، الحقيقة اللونية تتوارى في منطقة وسطى تتطلب المعالجة والاختبار الدقيق. هذه الصورة، وإن بدت تقنية، إلا أنها تحمل رموزاً أعمق تتجاوز النطاق الحرفي؛ فهي تشير إلى نسبية الإدراك، ضرورة البحث عن التوازن، وحتمية المراجعة والتقييم لاكتشاف الحقيقة بشكل أعمق، وضرورة الاعتماد على المعايير والقيم المشتركة. أول هذه الرموز هي نسبية الإدراك؛ كما لا يمكن لعين المصمم أن تدعي معرفة حقيقة تطابق الدرجة ال...

في مديح التكرار

إن كان التاريخ حقًا يعيد نفسه، أين هي نقطة الذروة التي استقام عندها الحال وبدأنا بعدها بالتعثر؟ علينا إيجادها لاستقراء المستقبل ودحض ما قيل بأن شعوب المنطقة لا تتعلم من تاريخها وشواهده المتكررة. وقد يكون التاريخ ممتدًا إلى درجة يستحيل معها ملاحظة نقاط الذروة. غير أن مجرد طرح الفكرة قد يكون هو بحد ذاته محفزًا للخوض في غمارها، فالإنسان كائن يمتلك آلية التفكير ما وراء المعرفي، التي تمكنه من إعادة النظر في أفكاره وطروحاته، وصياغتها بأشكال مختلفة. قد يكون هذا التساؤل جزء من حالة الشجون الفكري التي نعيشها اليوم بتأثير صدمة ما بعد الكارثة. وقد يكون عبارة عن تداعي حر في جلسة على أريكة دكتور نفسي. قد ينساق بنا التفكير نحو رؤية أكثر تعمقًا في مفهوم التكرار، وملازمته لنا في تجلياته المختلفة، فالقلب يمضي نابضًا بتكرارية منتظمة، وحين يفقد انتظامه تتأثر الأعضاء الحيوية ويعتل الجسد. وأكاد أجزم أن كل ما يحيط بنا يخضع للتكرار بشكل أو بآخر. سواء على المدى القصير أو الطويل. العيش وسط دوامة من التكرارية قد يكون فكرة غرائبية بعض الشيء، ولكنه قدرنا المحتوم، والذي من المحتمل أن يكون مجرد حالة من العذاب الم...

متلازمة الفراهيدي

نعيش اليوم موسم حصاد ما زرعه السابقون لنا من آثام ومفاسد، حاضر لا مناص منه، هُم مدينون استدانوا وانتفعوا، ونحن ورثنا عنهم عبء الالتزام بدفع فوائد الدين (بالمعنى المادي والمجازي). إن سلمنا جدلاً بضرورة حمل أوزارهم، وانعدام قدرتنا على انتاج ما نلبس، وما نأكل، وما نشرب، وما نركب.. هل يمكننا على الأقل التكسّب من متلازماتنا النفسية؟ واقعنا يساعد إلى حد كبير على إنتاج متلازمات تحمل عنصر الفرادة والأصالة. يمكننا العودة -على سبيل التجربة- إلى "عقدة الخواجة" التي ابتدعها الموروث المصري، والتي يمكن تعريفها بشكل مُنمّق بأنها توصيف لحالة الفجوة الطبقية وانعدام التكافؤ، والذي يساعد على انتاج أفراد من مستويات معيشية متدنية يتوقون لتقليد من هم أعلى منهم وأغنى منهم ماديًا. ويمكن تأصيل هذا المصطلح عبر ربطه مفاهيميًا بمقولة ابن خلدون «إن المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب». غير أن الشعب المصري بتاريخه العريق وتجاربه المتنوعة وسليقة لسانه أضاف لمعجمه مصطلحات أخرى كـ "البغددة" التي تشير لحالة الرفاهية الزائدة، والتي تعود في نشأتها إلى ماضٍ كانت فيه بغداد عاصمة الوفرة الاقتصادية والرخاء ...