العلمانية في سوريا: بين جدل المفهوم وصراع التيارات
مع التغيّرات السياسية الحاصلة في سوريا وصعود التيار الإسلامي وتوليه زمام قيادة الحكومة المؤقتة، ظهرت بين أوساط التيارات النهضوية أصوات تنادي بتطبيق النظم العلمانية، بوصفها الملاذ الآمن والضامن الأول للتعددية وحقوق الأقليات. وخرجت احتجاجات في ساحة الأمويين، فيما عُرفت لاحقًا بـ"مظاهرة العلمانيين"، التي أثارت استهجان الأكثرية المحافظة وأصبحت مادة للتندر والاستهزاء عبر منصات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى حملات التخوين واتهام منظميها بالتبعية لأجندات خارجية تدعم مساعي إطلاق مشروع الثورة المضادة.
العلمانية مصطلح جدلي في منطقتنا العربية؛ ففي حين ينظر الإسلاميون إلى العلمانية بوصفها محاولة لفصل الدين عن الحياة العامة، مما يؤدي في نظرهم إلى تهميش الشريعة الإسلامية وتفكيك الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، يرى أنصار العلمانية أنها تمثل حلاً حضارياً لضمان التعددية الفكرية والسياسية، وحماية حقوق الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم، بالإضافة إلى الحد من استغلال الدين في السياسة. وقد أثيرت حول هذا المصطلح العديد من الحوارات والمناظرات، من أشهرها مناظرة الغزالي وفرج فودة، التي أعقبها اغتيال فودة على يد أحد أفراد الجماعات الإسلامية، ومناظرة الدكتور عبد الوهاب المسيري وسيد القمني في برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة. ولا يزال الجدل قائمًا حول مسألة وجود جذور للعلمانية في التراث الإسلامي؛ إذ يرى البعض أن الإسلام لم يعرف مؤسسة دينية تماثل الكنيسة في أوروبا، بينما يشير آخرون إلى سيرة الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين كدليل على وجود نوع من التمايز بين المجالين الديني والسياسي.
يشير جورج طرابيشي في كتابه "هرطقات 1: عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية" إلى جوانب معينة في الإسلام يمكن قراءتها كإشارات إلى الفصل الوظيفي بين السلطة الدينية والسياسية، مستشهدًا بحديث تأبير النخل الذي اعتبره معادلاً للمقولة الإنجيلية الشهيرة: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". ويرى طرابيشي أن موقف الرسول ﷺ في الحديث يمثل نموذجًا للتفرقة بين الأمور الدينية والدنيوية، ووجود نزعة ضمنية في الإسلام المبكر تحث على احترام التخصص الدنيوي وفصل الجوانب العملية عن السلطة الدينية. هذا الطرح يتقاطع مع أطروحة عبد الوهاب المسيري حول العلمانية الجزئية والشاملة.
بحسب المسيري، فإن العلمانية الشاملة تختزل الإنسان في بُعده المادي فقط، متجاهلة أبعاده الروحية والأخلاقية والغائية. وهي تقوم على فكرة تعظيم البُعد المركزي للإنسان (Humanism) وتنظر إلى الكون بمعزل عن البُعد الإلهي، مما يدخل في سياق مشروع تغريبي عالمي يسعى إلى فرض نمط حياة مادي غربي على الثقافات الأخرى، بما فيها الثقافة العربية الإسلامية. في المقابل، تقتصر العلمانية الجزئية على تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، مع إبقاء الدين فاعلًا في المجتمع، خاصة في الجوانب الأخلاقية والاجتماعية.
يساعد هذا التفريق في فهم تعقيدات الظاهرة العلمانية بشكل أكثر دقة وموضوعية، ويمكِّننا من التمييز بين الممارسات السياسية والإجراءات التنظيمية من جهة، وبين التحولات الأيديولوجية الكبرى التي تُغير رؤية الإنسان للكون والحياة من جهة أخرى.
على الصعيد الداخلي في سوريا، كان لنظام الأسد وحزبه الأثر الأكبر في تشويه الوعي السياسي العام، مما جعل العلمانية مرادفة في أذهان الكثيرين للقمع والاستبداد بسبب استغلال النظام لها. هذا الأمر عزز حالة الرفض الشعبي الواسع للمفهوم بعد سقوط النظام. وفي وقت نحن فيه بحاجة ماسة إلى نخب فكرية تتجاوز إرث النظام الاستبدادي وتعيد تعريف المفاهيم وتوظيفها بشكل صحيح، نجد قوى سياسية تتعامل مع العلمانية كأداة خطابية تخدم مصالحها الفئوية، دون اهتمام بتحليل جوهرها وأبعادها الفكرية والاجتماعية.
يتجلى هذا السلوك في استخدام بعض الأطراف لشعارات العلمانية والتعددية كوسيلة لإيجاد حاضنة شعبية جديدة بعد زوال مظلة النظام السابق، بينما يستغل آخرون العلمانية كذريعة لتهميش التيارات الأخرى، متبنين سردية استحقاق التيار السني المحافظ. وعند كلا الطرفين—الإسلامي والعلماني—تم تفريغ المصطلح من مضمونه، والتعامل معه بسطحية تخدم الخطاب الشعبوي، مما يعمق الانقسامات ويُضعف فرص بناء خطاب ديمقراطي جامع، قائم على أسس المدنية والمواطنة المتساوية.
المجتمع السوري، الذي تعرض لتسييس مناطقي وعقائدي مكثف على مدى 50 عامًا، سيحتاج إلى وقت طويل لتحقيق التوازن الفعلي بين الدين والمجال السياسي.
تعليقات
إرسال تعليق