صحافة الرصيف: بين أزمة التمويل والمسار العليل


خلال قراءتي لإحدى النشرات البريدية لموقع "ر.22"، وجدت أن الناشر أضاف في ختام النص عبارة يدعو فيها القارئ إلى تقديم الدعم المادي للمؤسسة. وعلى الرغم من أنّ هذه دعوةٌ معتادة يواجهها قرّاء مقالات الصحيفة خلال تصفّحهم لموقعها ومنشوراتها البريدية، فقد وردت هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ يبدو أنّ الأحداث في الساحة السياسية الأمريكية قد أثّرت على مصادر تمويل المؤسسة، حيث يعبّر الناشر عن امتعاضه من توقيف ترامب للمساعدات الأمريكية التي كانت تشمل برامج "ر.22" المعنية بالبيئة والأقليات في العالم العربي. وقد أتبع الدعوة بقوله: "نطلب منكم الانضمام إلى برنامج 'ناس رصيف'، لنتمكّن من متابعة عملنا"، مختتمًا النص بعبارة: "كي تبقى بلادنا لنا."

وقد جاء القرار الذي أعلنته الولايات المتحدة يوم الجمعة 24 يناير الجاري على لسان وزير خارجيتها، ماركو روبيو، موجهًا خطابه إلى موظفي الإدارة الأمريكية بقوله: "لا يجوز الالتزام بأي تمويل جديد لأي جهة، أو تمديد أي تمويل حالي، وذلك إلى أن تتم مراجعة كل تمويل جديد والموافقة عليه... بما يتماشى مع أجندة الرئيس دونالد ترامب." وصدر هذا التصريح في إطار أمر تنفيذي أصدره ترامب يوم الإثنين الماضي، يوم تنصيبه، يقضي بتجميد المساعدات الأمريكية الخارجية لمدة 90 يومًا.

يتناول تحقيقٌ نشره معهد الجزيرة للإعلام بعنوان "التمويل الأجنبي للصحافة العربية" قضية الدعم المالي الذي كانت تتلقاه مؤسسات إعلامية وصحفية في المنطقة من جهات دولية. ويشير التحقيق إلى أنّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) صرفت نحو 275 مليون دولار بين عامي 1994 و2004 لدعم الصحافة العربية المستقلة.

ومع اندلاع شرارة “الربيع العربي” عام 2011 وبدء الحراك الشعبي في بلدان عربية مختلفة، برزت منصات صحفية مستقلة بقدرات ناشئة، وتناولت قضايا حقوقية واجتماعية وثقافية تتقاطع بطبيعتها مع الإشكاليات السياسية. كما عملت هذه المنصات تدريجيًّا على استثمار انتفاضة الشعوب ضد الطغيان، وتوظيف خطابات الليبرالية والعدالة الاجتماعية في خدمة المشروع الغربي.

هذا ما يؤكده الباحث سلامة كيلة في أحد مقالاته المنشورة على موقع "الحوار المتمدن"، إذ يشير إلى أنّ المطالب الاجتماعية والاقتصادية هي جوهر الثورات العربية، وأنّ كلًّا من السلطة الحاكمة والقوى الإمبريالية سعى إلى توظيف الشعارات السياسية (الحرية، الأقليات، الحقوق المدنية...) لخدمة اتجاهات تفضي في النهاية إلى إعادة إنتاج النظم السياسية بشكلٍ معدّل يتوافق مع الرؤية الرأسمالية الغربية. ويتجلى ذلك بوضوح في الدعم الأمريكي لسردية الاستحقاق الكردي على قطاع واسع من أراضي الشمال السوري خلال سنوات الثورة السورية.

وبالعودة إلى الصحافة، نجد أن القائمين على موقع "ر.22" يؤكدون منذ تأسيسه عام 2013 أنهم يعالجون مختلف القضايا في سياق نقدي بنّاء، بعيد عن التجاذبات السياسية. إلا أنّ هذا النهج التحريري لا يخلو من الشوائب؛ فرغم أنه يبدو حياديًّا وموضوعيًّا في ظاهره، فإنه ينحاز بوضوح إلى الرؤية الغربية في تناوله قضايا حساسة في المجتمعات العربية، مثل حقوق المثليين، ومجتمع الميم، ونقد بعض الموروثات التاريخية والدينية. وما يعزّز هذه الشكوك هو حصول الموقع عام 2019 على "الجائزة الذهبية للصحافة الأجنبية" من قِبل "رابطة الصحفيين المثليين" في باريس، تقديرًا لسلسلة مقالات تناولت قضايا النوع الاجتماعي والجنس على مدى ستة أشهر.

ومما أثار حفيظة القارئ العربي، مقال نشره الكاتب "م. و." عام 2020 في "ر.22" بعنوان "هل المسجد الأقصى هو نفسه الهيكل اليهودي؟" زعم فيه أن الهيكل في التراث الإسلامي كان يُعرف بأسماء متعددة، منها المسجد الأقصى وبيت المقدس ومسجد داود، وكان المسلمون يربطونه بالهيكل اليهودي. لكن الخليفة عبد الملك بن مروان أنشأ مسجدًا باسم "الأقصى" في صحن هيرودس، مما أدى إلى اعتقاد المسلمين لاحقًا أن هذا هو المسجد المذكور في القرآن.

المقال يستند على مغالطات تاريخية ودينية فندها الباحث الفلسطيني صفوت صافي، وأثبت عدم صحتها عبر استعراض وتحليل الاستدلالات الخاطئة الواردة فيه، والتي نذكر منها: زعم الكاتب أن المسلمين عبر التاريخ أقروا بذلك، رغم غياب الأدلة التاريخية؛ تجاهله وجود فلسطين كمصطلح تاريخي قبل الرومان؛ شكوكه بقدسية الأقصى عند المسلمين وربطه بروايات توراتية غير مثبتة أثريًا؛ وإصراره على أن القدس لليهود فقط بناءً على مغالطات تاريخية ودينية، متجاهلًا الشعب الفلسطيني وحقه.

ويختتم الباحث متسائلاً: من وراء موقع "ر.22"؟ وإلى أين يريد أن يصل؟

وإلى اليوم، مازال هذا التساؤل واردًا، فمن المؤشرات ما يُظهر مدى اتساع دائرة تأثير هذه الجهات وتشعّبها محليًّا، حيث نجد أن بعض من يكتبون في موقع "ر.22" حول قضايا النوع والجندرية تختلف توجهاتهم تبعًا للجهات الناشرة. ومن هؤلاء الصحفي "ج. م."، الذي يركز في كتاباته على لقاءات تهدف إلى تطبيع العلاقة مع المثليين وذوي الميول الجنسية الشاذة. وفي المقابل، يظهر له وجه آخر في موقع "العربي الجديد"، حيث ينشر مقالات نقدية فنية حول الدراما السورية، لا تحمل أي مضمون جنسي. كما أنه معروف في الوسط الفني بعمله في إدارة صفحات المخرجة السورية "ر. ش." على منصات التواصل الاجتماعي.

هذا العلل الحاصل في المشهد الإعلامي الرقمي قد يتغير تبعًا لتغير ميول الجهات الممولة، ففي حال استمرار رفع غطاء التمويل أو تخفيضه، قد تجد هذه المنصات الإعلامية نفسها أمام معضلة توفير ميزانية كافية لتغطية الرواتب وتكاليف التشغيل وإنتاج المحتوى، وما يتفرع عن ذلك من دوائر الصحفيين والمنتفعين. وقد يفتح هذا الباب أمام تطوير نماذج تمويل جديدة، تتمتع بدرجة أكبر من الموضوعية الحقيقية، وترتبط أكثر بالمجتمعات المحليّة.

تعليقات